٥ نصائح لإعادة تدوير علب الكرتون في...
نعيش في عالمٍ تصل فيه مشترياتنا إلى عتبة منازلنا مباشرةً، غير أنّ...
والدول التي طالما اعتمدت بشكل كبير على استخراج الموارد باتت اليوم تبني أنظمة مصمّمة لإبقاء المواد قيد الاستخدام لأطول فترة ممكنة. وتقف دولة الإمارات في قلب هذا التحوّل، وفهم أسباب ذلك يبدأ من نظرة واضحة إلى معنى الاقتصاد الدائري فعليًا، وإلى ما يجعل الإمارات من أكثر الدول طموحًا في تبنّي هذا النموذج على مستوى العالم.
الاقتصاد الدائري نظام اقتصادي مصمّم للقضاء على النفايات من خلال إبقاء المنتجات والمواد والموارد قيد الاستخدام لأطول فترة ممكنة. وعلى خلاف الاقتصاد الخطّي التقليدي الذي يسير في خطّ مستقيم من الإنتاج إلى الاستهلاك ثمّ التخلّص، يشكّل النموذج الدائري حلقة مغلقة. فالمنتجات تُصمَّم لتكون قابلة لِـ:
وهذا يتيح للمواد الموجودة داخلها أن تبقى منتِجة بدلًا من أن ينتهي بها المطاف في مكبّات النفايات.
ويقوم هذا المفهوم على ثلاثة مبادئ رئيسية:
الاقتصاد الدائري ليس مجرّد التوسّع في إعادة التدوير، بل هو إعادة التفكير في كيفية صناعة الأشياء وكيفية خلق القيمة في كل مرحلة من مراحل حياة المنتج. وهذا التمييز مهمّ لأن إعادة التدوير وحدها لا تعالج الإفراط في الإنتاج ولا استخراج المواد الخام.
بل إن النموذج الدائري يتحدّى السلسلة بأكملها، بما في ذلك:
ومن خلال الحدّ من النفايات ورفع كفاءة استخدام الموارد إلى أقصى حدّ، تساعد ممارسات الاقتصاد الدائري الشركات والحكومات على بناء أنظمة أكثر استدامة وقدرة على الصمود في المستقبل.
يقوم الاقتصاد الخطّي على الكمّ؛ فكلّما زاد الإنتاج زاد النموّ، وتُعامَل النفايات على أنها نتيجة حتمية لممارسة الأعمال. أما الاقتصاد الدائري فيعتبر النفايات خللًا في التصميم ويحوّلها إلى نقطة انطلاق لخلق القيمة. فالشركة التي تعمل ضمن إطار دائري قد تؤجّر منتجاتها بدلًا من بيعها، وتستعيدها في نهاية عمرها الافتراضي، وتعيد تأهيلها، ثمّ تعيد طرحها في السوق. وهكذا تُولّد المادة نفسها قيمة اقتصادية مرارًا وتكرارًا بدلًا من مرّة واحدة.
ولهذا التحوّل فوائد مباشرة للشركات والحكومات والمجتمعات؛ فهو يقلّل الاعتماد على استيراد المواد الخام، ويخلق فرص عمل في قطاعات الإصلاح وإعادة التدوير، ويخفض تكلفة إدارة النفايات، ويقلّص بشكل كبير البصمة البيئية للصناعات التي كانت تاريخيًا من أكثر المصادر تلويثًا.
إن فهم كيفية عمل ذلك على أرض الواقع يجعل المفهوم أسهل استيعابًا، ويساعد الشركات والأفراد على تحديد موقعهم في هذه الصورة.
من أوضح أمثلة الاقتصاد الدائري في مجال التصنيع التوجّه نحو تصميم منتجات يمكن تفكيكها وإصلاحها وإعادة بنائها. فقد باتت شركات الإلكترونيات تصنع أجهزتها بمكوّنات معيارية يمكن استبدالها بشكل منفصل بدلًا من التخلّص من المنتج بأكمله عند تعطّل جزء واحد منه. وفي الإمارات، تعمل وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدّمة على دفع سياسات تشجّع على استخدام المواد المُعاد تدويرها في السلع الاستهلاكية، وهو ما يغيّر مباشرة طريقة حصول المصنّعين على المدخلات وتعاملهم مع المنتجات بعد استهلاكها.
في القطاع الغذائي، تعني المبادئ الدائرية الحدّ من هدر الطعام في كل مرحلة من مراحل سلسلة الإمداد، وتحويل النفايات العضوية إلى سماد أو غاز حيوي، وتصميم سلاسل إمداد تستعيد القيمة من المنتجات الثانوية. ويُعدّ التجمّع الاقتصادي الغذائي في الإمارات مثالًا فاعلًا على ترسيخ المنطق الدائري في الاستراتيجية الغذائية الوطنية، عبر دمج الإنتاج والتصنيع والتوزيع في نظام مصمّم لتقليل الخسائر ورفع كفاءة استخدام الموارد إلى أقصى حدّ.
تستهلك المباني كمّيات هائلة من المواد، وينتهي معظم نفايات الهدم في مكبّات النفايات. ويعني النهج الدائري في البناء تصميم المباني بحيث يمكن تفكيكها لاستعادة المواد الإنشائية وإعادة استخدامها، واستعمال الركام المُعاد تدويره في المباني الجديدة، واعتماد أساليب التصنيع المسبق التي تقلّل النفايات في الموقع. وقد وضعت أبوظبي أهدافًا للامتثال تلزم جميع القطاعات بالمواءمة مع معايير الاقتصاد الدائري، مع وجود هدف امتثال كامل مطبَّق بالفعل على قطاع تصنيع البلاستيك.
لعلّ أبرز تطبيقات الفكر الدائري هو مفهوم تحويل النفايات إلى قيمة في الإمارات، الذي يحوّل المواد التي كان مصيرها الرمي إلى مدخلات منتِجة. فنفايات البناء والهدم تُعالَج وتُحوَّل إلى ركام مُعاد تدويره يُستخدم في مشاريع البناء الجديدة، وتُحوَّل النفايات غير القابلة لإعادة التدوير إلى وقود بديل يقلّل الاعتماد على الوقود الأحفوري في صناعة الإسمنت وغيرها. وقد عالجت المنشآت في مختلف أنحاء الدولة أكثر من مليون طنّ من النفايات في عام 2024 وحده، فأعادت توجيه تلك المواد بعيدًا عن المكبّات وأعادتها إلى الاستخدام المنتِج.
إن التزام الإمارات بالاقتصاد الدائري ليس توجّهًا مؤسسيًا عابرًا ولا رسالة تسويقية، بل هو سياسة وطنية مدعومة بالتشريعات والهياكل المؤسسية والأهداف القابلة للقياس.
وُضع الأساس بإصدار سياسة الاقتصاد الدائري لدولة الإمارات عام 2021، التي أرست إطارًا شاملًا لتحويل الاقتصاد الوطني بعيدًا عن أنماط الاستهلاك الخطّي. وركّزت هذه السياسة على أربعة قطاعات ذات أولوية، هي: التصنيع المستدام، والبنية التحتية المستدامة، والنقل المستدام، وإنتاج الغذاء واستهلاكه على نحو مستدام. وقد اختيرت هذه القطاعات لأهمّيتها مجتمعةً في الاقتصاد الوطني ولقدرتها على إحداث أوسع أثر ممكن.
وفي مارس 2023، اعتمد مجلس الوزراء الإماراتي أجندة الاقتصاد الدائري لدولة الإمارات 2031، التي حوّلت السياسة الأصلية إلى خطة عمل تضمّ 22 سياسة محدّدة بجداول زمنية واضحة. وتمثّل هذه الأجندة الإطار التنفيذي الذي يوجّه قرارات الحكومة الاتحادية والمحلية على حدّ سواء، ويدعو القطاع الخاص إلى الاضطلاع بدور فاعل.
ويجتمع مجلس الإمارات للاقتصاد الدائري، برئاسة وزير الاقتصاد والسياحة، بشكل منتظم لمتابعة التقدّم ومراجعة مقترحات السياسات الجديدة وضمان بقاء الاستراتيجيات الاتحادية والمحلية متناغمة. وفي عام 2025، عقد المجلس عدة اجتماعات ركّزت على تسريع الدفعة الثانية من سياسات الاقتصاد الدائري، مستهدفًا مجالات مثل النقل المستدام والصناعات النظيفة وإنتاج الوقود الحيوي. كما يركّز المجلس على تنمية مشاركة القطاع الخاص وتوسيع الشراكات التي تجلب الابتكار ورؤوس الأموال إلى هذا التحوّل.
والهدف الوطني واضح: ترسيخ مكانة الإمارات مركزًا عالميًا لممارسات الاقتصاد الدائري، بما يسهم في الأهداف الأوسع لرؤية «نحن الإمارات 2031» ويدعم التزام الدولة بتحقيق الحياد المناخي بحلول عام 2050.
أصبحت دبي من أكثر مدن المنطقة نشاطًا في ترجمة مبادئ الاقتصاد الدائري إلى واقع ملموس. فاستراتيجية دبي المتكاملة لإدارة النفايات 2021–2041 تضع هدفًا طموحًا يتمثّل في الوصول إلى صفر نفايات إلى المكبّات بحلول عام 2041. وليس هذا هدفًا رمزيًا، بل هو مدعوم باستثمارات محدّدة في البنية التحتية، وتطبيقات تقنية، وبرامج مجتمعية مصمّمة لتحويل وفرز واستعادة وإعادة تدوير كل ما تنتجه المدينة.
ومن أبرز التطوّرات الحديثة في مجال الاقتصاد الدائري في دبي إطلاق مبادرة «Circle Dubai» خلال قمة مدن آسيا والمحيط الهادئ لعام 2025. وتقوم هذه المبادرة على رؤية مدينة خالية من المكبّات، وتضع هدفًا بتحويل 100 بالمئة من النفايات بعيدًا عن المكبّات، على أن يُعاد تدوير 56 بالمئة منها على الأقل. وتجمع «Circle Dubai» بين التكنولوجيا الذكية والتوعية المجتمعية وإصلاح السياسات لتغيير طريقة إدارة السكان والشركات والمؤسسات للمواد التي تمرّ عبر المدينة.
وباتت منشآت استعادة المواد في دبي وسائر أنحاء الإمارات قادرة بالفعل على استعادة نسب كبيرة من النفايات البلدية الصلبة وتحويلها إلى مواد عالية الجودة قابلة لإعادة التدوير. كما صُمّمت مشاريع تحويل النفايات إلى طاقة في دبي وأبوظبي والشارقة لتوليد أكثر من 140 ميغاواط من الكهرباء من النفايات البلدية الصلبة المُعالَجة، بما يقلّل الاعتماد على الوقود الأحفوري ويخفّف الضغط على المكبّات.
ويُعدّ حظر البلاستيك أحادي الاستخدام الذي طبّقته كل من دبي وأبوظبي علامة أخرى ملموسة على السياسة الدائرية في التطبيق. فإزالة هذه المواد نهائيًا من سلسلة الإمداد هي أرقى استراتيجية دائرية على الإطلاق: أي استبعاد النفايات من النظام قبل أن تدخله أصلًا.
إن هدف صفر نفايات في الإمارات لا يقتصر على دبي؛ فلدى أبوظبي أهدافها الخاصة في هذا المجال، والالتزام يمتدّ عبر الإمارات السبع جميعها. فبموجب «رؤية الإمارات 2021»، وضعت الدولة هدفًا بخفض النفايات الموجّهة إلى المكبّات بنسبة 75 بالمئة. وقد تطوّرت هذه الطموحات منذ ذلك الحين إلى خطط أكثر تفصيلًا خاصة بكل قطاع، لا تعالج كيفية إدارة النفايات فحسب، بل تتناول أيضًا كيفية توليدها من الأساس.
ويتجاوز مفهوم صفر نفايات في الإمارات مجرّد الجمع والفرز؛ فهو يطلب من الشركات إعادة تصميم عملياتها، ومن المستهلكين تغيير عاداتهم الشرائية، ومن الحكومات تهيئة البيئة التنظيمية التي تجعل الاقتصاد الدائري هو القاعدة لا الاستثناء. وقد أطلقت الإمارات برنامج «التأشيرة الزرقاء» الذي يمنح إقامة لمدة عشر سنوات للأفراد الذين يسهمون بفاعلية في الاستدامة البيئية، في إشارة إلى أن الدولة تنظر إلى الالتزام البيئي بوصفه قيمة اجتماعية واقتصادية.
وتنظر الشركات في مختلف أنحاء الدولة بشكل متزايد إلى النفايات باعتبارها موردًا لا تكلفة. وتتنامى الاستثمارات في تقنيات إعادة التدوير والاستعادة والمعالجة لأن الشركات تدرك أن البيئة التنظيمية تزداد صرامة، وأن من يبني قدرات دائرية اليوم سيكون في موقع أفضل مع اتساع متطلّبات الامتثال. وتقابل الحكومة هذا الزخم بحوافز ومبادرات ومنصّات تجعل هذا التحوّل أيسر وأكثر جدوى تجاريًا.
ثمّة عوامل عدّة تجعل الإمارات مؤهّلة على نحو فريد لتصبح رائدة عالمية في التحوّل نحو الاقتصاد الدائري.
الأول هو القيادة؛ فقد جعلت حكومة الإمارات من الاستدامة هويّة وطنية لا مجرّد أولوية في السياسات. فمن قمّة المناخ «COP28» التي استضافتها دبي عام 2023 إلى العمل الفاعل لمجلس الإمارات للاقتصاد الدائري في عام 2025، ثمّة إرادة سياسية رفيعة المستوى ومتّسقة تقف خلف هذه الأجندة. ومثل هذه القيادة تهيّئ الظروف لاتخاذ إجراءات تنظيمية جريئة، واستثمارات ضخمة، والتنسيق بين القطاعات الذي يتطلّبه أي تحوّل اقتصادي حقيقي.
والثاني هو طموح البنية التحتية؛ فقد أظهرت الإمارات باستمرار استعدادها للاستثمار بكثافة في البنية التحتية المادية، ويمتدّ ذلك إلى مجال الاستدامة. فمحطات تحويل النفايات إلى طاقة، ومنشآت استعادة المواد، وأنظمة إعادة التدوير الذكية، والمجمّعات الصناعية المصمّمة وفق المبادئ الدائرية، كلّها جزء من المشهد الذي يجري بناؤه في هذه اللحظة.
والثالث هو منظومة القطاع الخاص؛ إذ كانت أكثر من 56 ألف شركة ورخصة تجارية تعمل في قطاعات الاقتصاد الجديد في الإمارات بحلول النصف الأول من عام 2025، وكثير منها في مجالات مرتبطة مباشرة بالاستدامة والتكنولوجيا النظيفة والتصنيع المتقدّم. وهذا يخلق الطاقة التجارية اللازمة لاختبار الحلول الدائرية وتوسيع نطاقها وتصديرها.
والرابع هو الرؤية الاستراتيجية؛ فأجندة الاقتصاد الدائري في الإمارات مندمجة ضمن استراتيجيتها الأوسع للتنويع الاقتصادي، والتزامها بالحياد المناخي بحلول عام 2050، وطموحها لأن تكون مركزًا عالميًا للابتكار. فالاقتصاد الدائري ليس مشروعًا جانبيًا، بل هو ركيزة من ركائز المستقبل الوطني.
إن فهم ماهية الاقتصاد الدائري وما تفعله الإمارات لبنائه هو الخطوة الأولى، أما الخطوة التالية فهي معرفة كيفية المشاركة.
بالنسبة إلى الشركات، يتطلّب هذا التحوّل تدقيق كيفية تدفّق المواد عبر العمليات، وتحديد مواطن توليد النفايات، والبحث عن فرص لإغلاق الحلقات. وقد يعني ذلك التحوّل إلى موردين يقدّمون برامج استرجاع المنتجات، أو إعادة تصميم التغليف لاستخدام محتوى مُعاد تدويره، أو اعتماد نماذج أعمال قائمة على الخدمة حيثما كان ملائمًا، أو الشراكة مع منشآت قادرة على تحويل المنتجات الثانوية الصناعية إلى مدخلات مفيدة. إن التوجّه التنظيمي في الإمارات واضح، والشركات التي تبدأ التكيّف الآن ستواجه تكاليف امتثال أقلّ وفرصًا تجارية أكبر مع اشتداد صرامة السياسات.
بالنسبة إلى الأفراد، غالبًا ما تبدأ المشاركة الدائرية في المنزل عبر الفرز، والحدّ من هدر الطعام، واختيار منتجات مصمّمة لتدوم، ودعم الشركات التي تعمل بمسؤولية. فالتغييرات الصغيرة في العادات، حين تُتبنّى على مستوى مدينة وأمّة، تتحوّل إلى خفض ملموس في الضغط على المكبّات وفي استهلاك الموارد. أما المؤسسات الراغبة في إضفاء الطابع الرسمي على التزامها وإثباته بمصداقية، فيتيح لها الاقتصاد الدائري فرصة لمواءمة عملياتها مع السياسة الوطنية ومع معايير الاستدامة العالمية على حدّ سواء. تعرّف كيف يحوّل الاقتصاد الدائري النفايات إلى قيمة، وكيف يمكن لمؤسستك أن تبني هوية استدامة قابلة للقياس تتجاوز مجرّد الامتثال لتصل إلى إسهام حقيقي.
الاقتصاد الدائري ليس سيناريو مستقبليًا، بل يجري بناؤه الآن: في السياسات التي تُقرّ في أبوظبي، وفي المنشآت التي تُشيَّد في مختلف أنحاء دبي، وفي الشركات التي تعيد التفكير في سلاسل إمدادها، وفي المجتمعات التي تغيّر طريقة فرزها وإدارتها للمواد التي تستخدمها يوميًا.
لقد اختارت الإمارات أن تقود هذا التحوّل بعزم واستثمار. ومع تقدّم أجندة الاقتصاد الدائري 2031 عبر مراحل تنفيذها واقتراب أهداف صفر نفايات، لم يعد السؤال المطروح على كل شركة ومؤسسة تعمل في الإمارات هو هل تنخرط في هذا التحوّل، بل متى وكيف. فالبنية التحتية والإطار السياساتي والفرصة التجارية جميعها متوفّرة بالفعل، وما سيأتي لاحقًا يتوقّف على عدد المؤسسات التي ستقرّر ترسيخ الفكر الدائري في طريقة عملها، لا بوصفه إجراء امتثال، بل بوصفه استراتيجية حقيقية لخلق قيمة طويلة الأمد.